أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

639

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ : إلى قوله : كَمَثَلِ حَبَّةٍ كقوله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ « 1 » في جميع التقادير فليراجع . وقرأ الجحدريّ « كمثل حبة » بالحاء المهملة والباء . قوله : ابْتِغاءَ فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول من أجله ، وشروط النصب متوفرة . والثاني : أنه حال ، و « تثبيتا » عطف عليه بالاعتبارين : أي لأجل الابتغاء والتثبيت ، أو مبتغين متثبّتين . ومنع ابن عطية أن يكون « ابتغاء » مفعولا من أجله ، قال : « لأنه عطف عليه « تثبيتا » ، وتثبيتا لا يصحّ أن يكون مفعولا من أجله ، لأنّ الإنفاق لا يكون لأجل التثبيت ، وحكى عن مكي كونه مفعولا من أجله ، قال : « وهو مردود بما بيّنّاه » . وهذا الذي ردّه لا بدّ فيه من تفصيل ، وذلك أنّ قوله : « وتثبيتا » إمّا أن يجعل مصدرا متعديا أو قاصرا ، فإن كان قاصرا ، أو متعديا وقدّرنا المفعول هكذا : « وتثبيتا من أنفسهم الثواب على تلك النفقة » ، فيكون تثبيت الثواب وتحصيله من اللّه حاملا لهم على النفقة ، وحينئذ يصحّ أن يكون « تثبيتا » مفعولا من أجله ، وإن قدّرنا المفعول غير ذلك ، أي : وتثبيتا من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية ، أو جعلنا « من أنفسهم » هو المفعول في المعنى ، وأنّ « من » بمعنى اللام أي : لأنفسهم ، كما تقول : « فعلته كسرا من شهوتي » فلا يتضح فيه أن يكون مفعولا من أجله . وأبو البقاء قد قدّر المفعول المحذوف « أعمالهم بإخلاص النية » ، وجوّز أيضا أن يكون « من أنفسهم » مفعولا ، وأن تكون « من » بمعنى اللام ، وكان قدّم أولا أنه يجوز فيهما المفعول من أجله والحالية ، وهو غير واضح كما تقدّم . وتلخّص أنّ في « من أنفسهم » قولين : أحدهما : أنه مفعول بالتجوّز في الحرف . والثاني : أنه صفة ل « تثبيتا » ، فهو متعلّق بمحذوف ، وتلخّص أيضا أن التثبيت يجوز أن يكون متعدّيا ، وكيف يقدّر مفعوله ، وأن يكون قاصرا . فإن قيل : « تثبيت » مصدر ثبّت وثبّت متعد ، فكيف يكون مصدره لازما ؟ فالجواب أنّ التثبيت مصدر تثبّت فهو واقع موقع التثبّت ، والمصادر تنوب عن بعضها . قال تعالى : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا « 2 » والأصل : « تبتّلا » ويؤيّد ذلك قراءة من قرأ : « وتثبّتا » ، وإلى هذا نحا أبو البقاء . قال الشيخ « 3 » : « وردّ هذا القول بأنّ ذلك لا يكون إلا مع الإفصاح بالفعل المتقدّم على المصدر ، نحو الآية ، وأمّا أن يؤتى بالمصدر من غير نيابة على فعل مذكور فلا يحمل على غير فعله الذي هو له في الأصل » ثم قال : « والذي

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 261 ) . ( 2 ) سورة المزمل ، آية ( 8 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 311 ) .